يحيي بن حمزة العلوي اليمني
216
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
أمرها في الثبوت والاستقرار ، فعلى هذين التأويلين وردت القراءتان في نصب اللام ، ورفعها ، فالنصب يؤيد التأويل الأول ، فتكون اللام مؤكدة للجحد ، والرفع يؤيد التأويل الثاني ، وتكون اللام فيها هي الفارقة بين المؤكدة ، والنافية ، وتكون القراءة بالرفع في قوله « لتزول » دالة على التخييل ، كأنها لعظم دخولها في الإنكار واغراقها فيه . بمنزلة قلع الجبال ، وإزاحة الصخور ، ونظيره قوله تعالى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 ، 91 ] وهذا وارد على جهة الكثرة ، ومنه قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه لولده محمد بن الحنفية لما عقد له الراية في معسكر : أعز الله حجتك وأيد في الأرض قدكم ، تزول الجبال الرواسي ولا تزول . وأما [ المركبة ] فأكثر ورود الكناية عليها ، وهذا كقولك : الكرم في برديه ، والمجد بين ثوبيه ، والعفاف في عطفيه ، وهذا كله في المدح ، فأما الكناية في الذم فكقولهم « إنك لعريض الوساد » كما ورد في الحديث عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لما نزل قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [ البقرة : 187 ] جعل عدى بن حاتم خيطين في يده ، أحدهما أسود والآخر أبيض ، علامة للفجر ، فحكى ذلك لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبره بما فعل ، فقال له الرسول : « يا عدى . إنك لعريض الوساد » ، وهو كناية عن بله الإنسان ، وقلة فطانته ، ونقصان كياسته ، وقولهم « فلان عريض القفا » يجعلونه كناية عن فهاهته وقلة ذكائه ، ومنه قول أمير المؤمنين لبعض الناس « وإنه لمزهو في عطفيه ، مختال في برديه ، تفاق في شراكيه » يشير بذلك إلى حمقه وخيلائه ، فجعل ذلك كناية عنه . نعم ورود الكناية إنما هو على جهة التشبيه عند التأمل والنظر ، فإذا وردت على طريقة التركيب كانت أشد ملاءمة ، وأعظم بلاغة ، وإذا وردت على صورة الإفراد لم يكن لها تلك المزية التي حصلت للمركبة ، ومثاله أنك إذا قلت في الكناية المركبة ، فلان نقى الثوب ، وأردت إيراده على صورة المشابهة ، فإنك تقول هو في نزاهة العرض من العيوب كنزاهة الثوب من الأدناس ، فإذا حصل على هذا التأليف اتضحت المشابهة ووجدت المناسبة وظهر أمر الكناية ، وإذا قلت في الكناية المفردة ، اللمس ، في الجماع لم تكن في تلك الدرجة من المناسبة وقوة المشابهة كما ترى .